الشيخ محمد رشيد رضا

253

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أفسدوا بأس الأمة بأمثال هذه الأحاديث أقول إنه لا يناقض الآية فان اللّه أمرنا بالحذر لندفع عنا شر الأعداء ونحفظ حقيقتنا لا لندفع القدر ونبطله ، والقدر عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات ، والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده ثم فرع على أخذ الحذر ما هو الغاية له والمقصد منه أو المتمم له فقال فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( النفر ) الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالفزع عن الشيء وإلى الشيء كما قال الراغب ومن الأول ( 17 : 41 وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) وهم انما ينفرون عن القرآن لا اليه ومن الثاني النفر إلى الحرب وفيه آيات . وكانوا إذا استنفروا الناس للحرب يقولون النفير النفير . ( والثبات ) جمع ثبة بضم ففتح وهي الجماعة المنفردة ، والمعنى فانفروا جماعة في اثر جماعة بأن تكونوا فصائل وفرقا وهو الذي يتعين إذا كان الجيش كثيرا أو كان موقع العدوّ يقتضي ذلك وهو الغالب ، أو انفروا كلكم مجتمعين إذا قضت الحال بذلك ، أو المعنى فانفروا سرايا وطوائف على قدر الحاجة أو نفيرا عاما ، ويجب هذا إذا دخل العدوّ ارضنا كما قال الفقهاء الأستاذ الامام : النفر مستعمل في الخروج إلى الحرب وثبات جماعات ولا تتقيد الجماعة بعدد معين . وجميعا يراد به جميع المؤمنين على الاطلاق وهذا على حسب حال العدو . وان اخذ الحذر ليشمل مع ما تقدم كيفية سوق الجيش وقيادته وهو النفر . ولما كان هذا مما قد يتساهل فيه خضه بالذكر فأمر به بهذا التفصيل ولو لم يصرح به لكان الاجتهاد في أخذ الحذر مما قد يقف دونه فلا يصل اليه ، وهو ان النفر على حسب الحاجة إلى مقاومة العدوّ وهو ان يرسل الجيش جماعات وفرقا كما عليه العمل حتى الآن ، فإذا احتيج في المقاومة إلى نفر جميع افراد الأمة وخروجهم للجهاد وجب وهو قوله « أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً » وليس المراد ان يكون النفر على كيفيتين الأولى ان يقسم الجيش إلي فرق وسرايا والثانية ان يسير خميسا واحدا ، ليس هذا هو المراد وانما المراد الأول .